السيد محمد حسين فضل الله

19

من وحي القرآن

التي كانت مشرقة بضوء النهار ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لأن الفكر إذا تحرّك على مستوى الظواهر بما توحيه وتدلّ عليه ، يستطيع أن يدرك طبيعة الحكمة في انسجام القوانين المشتركة التي تخضع لها تلك الظواهر ، وفي الأسرار البديعة التي تختزنها خصائص كل واحدة منها ، فينتهي إلى الإيمان عند الإله الواحد الذي يبرر معنى وجود الكون وحركته السائرة إلى مستقرها المرسوم . وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ متقاربات في الموقع والطبيعة والجو ولكنها مختلفة من طيبة إلى سبخة ، ومن صلبة إلى رخوة ، ومن صالحة للزرع والشجر إلى أخرى عكسها ، مع التقائها جميعا على طبيعة واحدة ، هي خصوصيتها الأرضية ، وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ تختلف في أشكالها وأنواعها وخصائصها ، وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ ، والصنوان جمع صنو : وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد ، وَغَيْرُ صِنْوانٍ وهي النخلة ذات رأس واحد ، في مقابل النخلات الأخرى ، يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ فلا فرق بين الماء الذي تسقى به هذه ، والماء الذي تسقى به تلك ، فمن أين جاء هذا التغاير في الخصائص ، وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إذ تتميز كل واحدة عن الأخرى في إنتاجها ، وإذا كان التمايز موجودا في الأسباب الأولى ، فكيف يكون تفسير ذلك على المستوى الأعمق الذي يلتقي فيه الجميع عند طبيعة واحدة لا تملك أيّ نوع من أنواع التمايز ، مما يبعث على التساؤل من جديد : كيف حدث هذا ، ومن أين ، ومن الذي أودع سرّ التنوّع في الأشياء ما دامت الأشياء لا تملك في ذاتها ما يحتم تمايزها ! إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ويحرّكون عقولهم لمعرفة الحقيقة الإيمانية التي تشير إلى أن اللَّه وحده هو الذي أبدع ذلك كله ، وهو الذي أودع في الطبيعة الواحدة سرّ الاختلاف في الأنواع والأصناف والأفراد .